محمد أبو زهرة

3686

زهرة التفاسير

بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ بالتعدية ب عَلى للدلالة على تمكنه من المعرفة ، وأنها ليست وهما يتوهم ولا ظنا يظن بل عقيدة متمكنة . ذكر اللّه تعالى بعد البينة أن لها شاهدا من اللّه تعالى : وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ ، أي يجئ شاهدا من اللّه ، فالضمير الأول في يَتْلُوهُ يعود إلى البينة ، وعاد مذكرا لأن البينة البرهان القاطع الحاسم الذي تهدى إليه الفطرة ، فعاد الضمير مذكرا للإشارة إلى أنها برهان بين واضح الدلالة على الوحدانية . والضمير الثاني في قوله شاهِدٌ يعود على اللّه ربك ، أي أنه هداك وأيدك ، والشاهد هو القرآن الكريم النازل من لدن عزيز حكيم . وإن القرآن الكريم جاء مع البينة ، وقلنا إنها الإسلام ، فكيف يقال إنه وليها ونقول في ذلك إن الإسلام يكون دفعة واحدة ؛ لأن لبه شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، والقرآن نزل منجما فهو كان يتلى بعده لا قبله ، وإن قلنا إن البينة هي برهان العقل المدرك فالقرآن جاء واليا ، جاء به الحق . وقد نقول وبحق نقول : إن القرآن جاء مع البينة مؤيدا لها ، والتعبير بأنه تلاها للإشارة إلى التلاوة فيه وهي الترتيل ، كما قال تعالى : . . . وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) [ الفرقان ] وكما قال سبحانه : . . . وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ . . . ( 4 ) [ المزمل ] ، وللإشارة إلى أنه هناك مراتب في الإدراك ، فالأولى أن تجىء البينة ، والمرتبة الثانية هي التأييد من اللّه بالقرآن ولا تراخ بين المرتبتين بل هما متصاحبتان ، كما تقول : فكّر ثم اقرأ ، أي اقرأ قراءة متفكر متدبر ، وكأن القرآن شاهد ؛ لأنه ببلاغته ، وفصاحة كلمه ، وعمق معانيه مع وضوحها ، وعلمه وقصصه الحكيم كان المعجزة الخالدة ، فهو شاهد دائم ناطق بالحق إلى يوم القيامة ، وفيه الدلالة الواضحة على رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم الدين . ثم أشار سبحانه إلى تصديقه للكتب السابقة وبشارتها به فقال تعالى : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً ، فدلت هذه العبارة على أمرين .